السرخسي

263

شرح السير الكبير

359 - وذكر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : أيما رجل من العدو أشار إليه رجل بأصبعه إنك إن جئت قتلتك ، فجاءه فهو آمن فلا يقتله . وبعد هذا نأخذ فنقول : إذا أشار إليه بإشارة الأمان وليس يدرى الكافر ما يقوله فهو آمن . لأنه بالإشارة دعاه إلى نفسه ، وإنما يدعى بمثله الآمن لا الخائف ، وما تكلم به : إن جئت قتلتك ، لا طريق للكافر إلى معرفته بدون الاستكشاف منه ، ولا يتمكن من ذلك قبل أن يقرب منه ، فلا بد من إثبات الأمان بظاهر الإشارة وإسقاط ما وراء ذلك للتحرر عن الغدر . فان ظاهر إشارته أمانه له . وقوله : إن جئت قتلتك ، بمعنى النبذ لذلك الأمان . فما لم يعلم بالنبذ كان آمنا بمعنى قوله تعالى { فانبذ إليهم على سواء } ( 1 ) أي سواء منكم ومنهم في العلم بالنبذ ، وأشار إلى المعنى فيه فقال { إن الله لا يحب الخائنين } ( 2 ) ومبنى الأمان على التوسع حتى يثبت بالمحتمل من الكلام فكذلك يثبت بالمحتمل من الإشارة . 360 - وبيان هذا في حديث الهرمزان . فإنه لما أتى به عمر رضي الله عنه قال له : تكلم . قال أتكلم بكلام حي أم كلام ميت ؟ فقال عمر : كلام حي . فقال : كنا نحن وأنتم في الجاهلية ، لم يكن لنا ولا لكم دين . فكنا نعدكم معشر العرب بمنزلة الكلاب . فإذا أعزكم الله بالدين وبعث رسوله منكم ( 3 ) لم نطعكم . فقال عمر : أتقول هذا وأنت أسير في أيدينا ؟ اقتلوه . فقال : أفيما علمكم نبيكم أن تؤمنوا أسيرا

--> ( 1 ) سورة الأنفال ، 8 ، الآية 58 . ( 2 ) السورة والآية نفسها . ( 3 ) ق " فيكم " وفى الهامش " منكم . نسخة " .